لا تندم على حرب أنضجتك



الحرب كلمة لعينة وقاسية دخلت قاموس كلماتنا المليئة بالحب والسلام لتحوله الى قاموس يحوي جميع مفردات الحقد والكراهية . هناك تسميات لم نكن نسمع بها من قبل ظهرت مؤخرا لتجرد كل انسان من انسانيته وتجعل منه آلة للقتل والدمار والتخريب والكثير من التسميات التي أتت تباعا ... نعم لاستغربوا يا سادة كل هذا بعض من افعال الحرب اللعينة . قبل ثلاث سنوات كانت فكرتي عن الحرب هي الحرب العالمية الاولى والثانية وأن العالم قد تعلم من تلك التجربة السيئة التي حصدت رؤوس الملايين ولن مجددا .. ولكن كانت الحقيقة مختلفة تماما اتضح لي جليا أن العالم يعيش حالة استراحة يطور من خلالها آلات الحرب والدمار ليعود بقوة لأرض المعركة .
كانت فكرتي عن الحرب أنها دراما أضافها أحد المخرجين لأفلامه ليضفي عليها نوعا من المتعة منقطعة النظير ولكن مهلا.. هذا يبدو حقيقيا جدا يا لها من مخرج رائع ومتقن جدا لعمله .. ولوهلة اتسعت عيناي وكانت الفاجعة فكثر الدماء لم تعد تطاق وهذا المخرج أكثر من اللون الأحمر في فيلمه ويكاد لا يخلو المشهد من انفجار بين الثانية والأخرى . ألا يوجد لديه رؤية ؟ ألا يوجد لديه أحداث درامية أخرى ؟ ياااللهول ... يااااويلي كيف لم انتبه لذلك منذ ربع ساعة مضت ؟ أيعقل أن تكون هذه نشرة الأخبار ؟ مما يعني أن اللون الأحمر هو دم حقيقي واولئك الناس حقيقيون يا الله ما الذي يحدث ؟!!
خرجت الى الشارع لأرى الناس عما يتحدثون ولكني أراهم منشغلون بأعمالهم اليومية وكأن شيئا لم يكن أكاد أجن ! تناسيت الأمر وفعلت مثلهم وانشغلت بأعمالي اليومية .
يوما بعد يوم وأنا لم أعد أشاهد التلفاز حتى جاء اليوم المشؤوم وأبت الحرب إلا زيارتنا ..ما هذه اللعنة التي ستصيبنا.. كنت حينها في أحد الأماكن العامة المفعمة بالحب والسلام في مدينتي حينما لفت انتباه الشارع بأكمله كتائب تظهر من الأفق وتقترب منا حتى صارت تمر من بيننا ونحن في حالة ذهول وجمود شديدين .
ما كل هذا العتاد والجيش هل تستعد بلادنا أن تغزو كوكبا جديدا اكتشفت عليه الحياة ..طبعا لا.. اتضح لي بعدها أن بلادنا تستعد لأن تغزو نفسها لتقتل الحياة التي تعيشها . هنا دارت الكثير من الاسئلة في رأسي استخدمت فيها جميع أدوات الاستفهام والاستعلام . ووصلت الى أننا نعيش حالة من التناقضات العجيبة التي لم أجد لها مبررا .
مرت الأيام وبدأت أصوات تتعالى تطالب بالسلام وتسكتها أصوات الرصاص .
كنت أجلس في حوش منزلي أهذب أعشاب المشاقر "نباتات لها رائحة زكية وعطرة" حينما سمعت صوت تحليق كثيف وأتبعه دوي انفجار عنيف تجمد الدم في عروقي ، بكاء أطفال ، وعويل نساء ، لحظات تبلد ذهني قبل أن استوعب أن أحد معالم مدينتي الجميلة تدمر وكل ذلك بفعل الحرب "ألم أقل لكم أنها لعينة" . نفضت التراب من يدي وهرعت الى المنزل لأجد أخوتي يبكون ، وأمي خائفة يسألون ما الذي حدث ؟ حينها تذكرت ذلك الفيلم الدموي الذي لم يكن الا حرب عمياء في أحد البلدان العربية .
أخبرت أمي بأن تحزم حقائب السفر لأننا سنرحل مرغمين من مدينتنا فالحرب دقت طبولها . ذهبت لآتي بسيارة فإذا بي تفاجأت بانعدام للمشتقات النفطية وبمعرفة أحد الزملاء أخذت بنزين بعشرة أضعاف سعره المعتاد .
انتقلنا الى قريتي والذي استقبلنا بها أحد اقربائنا مؤقتا الى أن أبني لنا بيتا وبالفعل شرعت في بناء منزل لنا حتى انتهيت منه وانتقلنا اليه .
لم أجد ما أفعله بعد ذلك فأنا شاب معتاد على الدراسة والعمل الخيري والمجتمعي الذي تفتقر اليه قريتنا .
كانت تأتيني أخبار سيئة عن مدينتي التي غيرت الحرب ملامحها وعن زملائي الذين قتل الكثير منهم . فلم أكن بخير اطلاقا أما نفسيا كانت حالتي مزرية كمعظم حالة شباب هذا البلد .
فبدأت بطرح الأسئلة لماذا؟ وكيف؟ وماذا؟
وابحث عن جذور الحرب التي لم أجدها بالطبع وبدأت أتذمر وألوم بعض الأطراف ولكني تنبهت الى أن الحرب قد تجرني الى دوامتها السوداء . أدركت حينها أن العنف لا يمكن إزالته الا بالود والجهل لا يمحوه الا العلم فبدأت أفهم معادلة الأضداد في هذه الحياه أيقنت تماما أنه لابد أن أتحرك وأنشر السلام الذي بداخلي ليتوحد بالسلام الذي بداخل الكثير من الناس لنصنع قوة خير بإمكانها مواجهة قوى الشر
ولم أندم أبدا على هذه الحرب صحيح أنها أخذت منا الكثير ولكن بالمقابل أعطتنا الكثير أيضا فلم أكن أعلم من قبل عن الطاقة الخضراء وأن هناك مصادر دائمة للطاقة كالشمس والماء والهواء .جميل جدا هذا من شأنه أن يساهم في حل مشكلة الاحتباس الحراري ومعالجة قضية ثقب الأوزون .
تعرفت أيضا على أناس اتخذوا السلام قضية لهم وبدأ بنشر مفاهيمه وتعرفت أيضا على القرارات والقوانين التي من شأنها أن تحمي الإنسان .
أستطيع القول أني نضجت نعم هذه هي الكلمة التي أستطيع أن أصف بها حالتي فقد نضجت بفترة قياسية اعتقد أنها كانت ستأخذ الكثير من الوقت في الظروف العادية .
في الأخير تيقن أن كل شيء بسبب وكن مع قوى الخير في هذه الأرض ولا تندم على حرب أنضجتك .
ق/محمد نجيب اليوسفي

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

خرب امرأة

تربة الحجرية تتراقص على أنغام المؤآمرات