أما للحرب نزوح!
منذ سنوات تشهد اليمن وضعًا اقتصاديًا وإنسانيًا متدهورًا جراء
استمرار الحرب ،الذي خلّف ويخلّف أعدادًا كبيرة من النازحين تتزايد يومًا بعد يوم.
وأصبح هؤلاء الأفراد يعيشون السيناريو الأكثر قساوة وهو البحث عن أبسط سبل العيش
والسعي إلى تلبية الاحتياجات الأساسية التي تضمن لهم أكثر صور الحياة بساطة. أكثر
من مليوني نازح فرّوا من لهيب الحرب تاركين وراءهم منازلهم وأعمالهم ومدارسهم
وذكرياتهم، ذنبهم الوحيد أنهم قريبون من مناطق الصراع، ربما تمكّن بعضهم من أخذ
أغراضه الأكثر أهمية، بينما لم يأخذ بعضهم سوى جسده وأجساد أفراد عائلته موقنين أن
بانتظارهم العراء والجوع والخوف! مجبرين رحلوا لا يفتؤون يأملون الرجوع . حين تدخل
تجمعات النازحين أو مخيماتهم ستخبرك عن مدى صبرهم وتحملهم، فالمعيلون يبدؤون
رحلتهم مبكرًا في البحث عن عمل لا يعلمون إن كانوا سيعودون بقوت يومهم، والنساء
يدعونك بكرم لشرب الشاي في بيوت تكاد تكون خالية من كوب ماء، و بجوراهن الأطفال
يصرخون: نحن جائعون. يجتمعون على وجبة غير مشبعة ولا يعلمون متى تكون الوجبة
التالية. يُحرم الأطفال النازحون من التعليم نتيجة تنقل أسرهم كل فترة من منطقة
إلى أخرى لأن تكاليف السكن الزهيدة تثقل كاهلهم، وأطفال أكثر حظًا يحملون على
ظهورهم حقائب مدرسيّة ممزقة يكاد يظهر عليها شعار منظمة إغاثية. يقول أحد الأطفال:
كنت متذمرًا من فكرة الاستيقاظ مبكّرًا لأذهب للمدرسة، أما الآن أنا حقًّا أريد
الذهاب للمدرسة فحسب! أما الظروف الصحية فلك أن تتصوّر وجود حمّام واحد لأكثر من
عشرة مساكن، والنساء لا يجدن رعاية صحيّة بعد الولادة، والأطفال معرّضون لسوء
التغذية والإسهالات المائية "الكوليرا" فالوجبات الغذائية قليلة،
والمياه الصالحة للشرب نادرة. ناهيك عن موسم الأمطار الذي يفاقم معاناة النزوح
فالمساكن معظمها شعبيّة تسمح لقطرات المطر باختراق الأسقف، وليس النازحون بحاجة
للمزيد من البرد فبعضهم يتقاسمون الأغطية الموجودة وبعضهم يستعيرونها من الجيران.
الكثير من النساء يتحملن أعباء إضافية؛ يتولين إعالة أسرهن، ويحاولن تخفيف معاناة
أطفالهن النفسية وإخفاء معاناتهن وفقدهن ،يوارين دموعهن التي لا يعلمن لهن نهاية.
تقول إحداهن: قبل النزاع كان زوجي يعمل براتب يستر الحال والآن وصل بنا الحال إلى
تحت الصفر وما باليد حيلة، وأخرى تخبرنا: أبي مات في الحرب. أما الشابات والشباب
في خضم مأساة النزوح فيشعرون بالضياع . أكثر من مليون نازح عادوا إلى مواطنهم
الأصلية والبعض منهم اضطر للعيش في منزله المتضرر، فلا خيار أقسى من النزوح ..إن
الملايين من اليمنيين في أمس الحاجة إلى المساعدة الإنسانية، وزادت كارثة النزوح
من تفاقم الوضع، فاحتياجات أساسية كالمأوى والأمن الغذائي والمياه لا تتوفر إلا
بصعوبة بالغة، ومع استمرار الصراع يسقط النازحون في دائرة النسيان. ربما هم أكثر
من يتمنون انتهاء الصراع إنهم –بدلًا من أن يبنوا أحلامهم - يكافحون من أجل
البقاء، من ينظر لحالهم، ومتى يعودون إلى بيوتهم، وكيف يتجاوزون محنتهم!
ق/هيفاء طاهر العمارى
تعليقات
إرسال تعليق