بين عالم افتراضيّ وسلام حقيقيّ



تمخّض عن التقدم التقني ظهور ما ُسمّى بالإعلام الجديد، فبعد أن كانت وسائل الإعلام التقليدي -المقتصرة على الصحف والقنوات التلفزيونية والإذاعة- حكرًا على الدولة أصبح بمتناول كل فرد وأصبح الإعلام الرقمي اليوم يفرض نفسه بقوة ويكاد يشكّل عالمًا لا متناهي الأطراف من حيث اتساع مداه وشيوع وسهولة استخدامه .
إن أكثر ما يميز وسائل الإعلام الجديدة هو أنها كسرت احتكار صناعة الإعلام على أصحاب المهنة فقط وبات بإمكان الفرد اليوم أن يكون ناشرًا للخبر والفكرة والرسالة مثلما هو متلقٍ لها مما يسمح لنا بتسميتها بالإعلام الشخصيّ. وتتميز وسائل الإعلام الجديدة بوصولها الآني والسريع إلى جماهير عريضة متباينة الطبقات ومختلفة الاتجاهات، حيث تتلاشى للوهلة الأولى -على- الأقل التسلسلات الهرمية التي يفرضها كل مجتمع على أفراده، كما أنها لا تنقل الأخبار فقط؛ بل القيم والثقافات والمعلومات وغيرها. وعلى عكس الإعلام التقليدي يمكن للجمهور أن يتبادل الآراء ووجهات النظر في ظل ميزة التفاعل ،خاصّة على شبكات التواصل الاجتماعي.
ازداد الإقبال مؤخرًا على ارتياد شبكات التواصل الاجتماعي والتي من أبرزها على الساحة العالمية فيسبوك ،وتويتر ،ويوتيوب ،وإنستجرام وغيرها الكثير بفعل الخواص التي تتميز بها عما سواها من الوسائل والتي يتشارك الأفراد من خلالها مجموعة مواد تتفاوت في نوعها ما بين نصيّة وسمعية وأخرى مرئية.
ويتصدر فيسبوك مواقع التواصل الاجتماعي الأكثر استخدامًا محليًّا، فحسب تقرير نشرته صحيفة الثورة مطلع عام2017م صُنف فيسبوك من بين أكثر ثلاثة مواقع عالمية تصفًّحًا في اليمن، ويُقدّر عدد المستخدمين النشطين شهريًا بمليون ونصف إلى مليوني نسمة تقريبًا -أغلبهم من فئة الشباب- من أصل أكثر من ستة ملايين مستخدم للإنترنت في أنحاء اليمن بشكل عام، ومن هنا لا يمكن أن نغض الطرف عن مدى الدور الذي يمكن أن يلعبه في مختلف النواحي خصوصًا إذا أسقطنا ذلك الدور على تجارب عربية سابقة مع "فيسبوك". والسؤال الذي يضع نفسه هنا: هل من الممكن أن يكون فيسبوك أداة لوقف الحرب ونبذ العنف؟
فيسبوك -كغيره من وسائل الإعلام ذات القاعدة الجماهيرية العريضة- يمكن أن يكون أداة لإشعال فتيل الصراع وإثارة النعرات الطائفية والعنصرية وتكريس المناطقية وخلق المهاترات الحزبية من جهة، ويمكن أن يكون أداة لزرع قيم التعايش والمساواة وتعزيز ثقافة السلام من جهة أخرى، فالمهتم بصنع رسالته أو إيصالها يمكنه أن يتعمّد اتخاذ منهجية إثارة الوعي والاستمرار في تكوين صورة ذهنية لدى الجماهير المستهدفة عن الهدف المراد تحقيقه، وفي خطوة متقدمة يصل صاحب الرسالة إلى حثّ الجماهير على اتخاذ رد فعل مناسب للرسالة على أرض الواقع وبالتالي يكون قد خلق سلوكًا حقيقيًا على الواقع! مع تأكيد أن صانع الرسالة "الناشر" يمكن أن يكون من أولئك البسطاء الذين لا يملكون سوى المحتوى الذي يقومون بنشره عبر منشور أوفيديو أوصورة أوهاشتاغ "وسم"والذي قد يحدث أحدها تأثيرًا حقيقيًا. فإذا كان الأمر بمتناول اليد لِمَ لا تكون رسالة داعية للعيش بسلام!
وطالما أن فيسبوك يستخدم كأداة لخلق الرأي العام وقياسه، فإنه يخلق إمكانية اتخاذ خطوات وإجراءات تتناسب وتوجهات الجماهير، أي أنه يعطي فرصة كبرى للتأثير بما لا يؤجج المشاعر ويمسّ القناعات ويفتح فضاء واسعًا لخدمة السلام ،إنه أداة في يد المواطن يساهم من خلالها بنشر الرسائل التوعوية وتصحيح الأفكار وتعديل السلوكيات.
إن الإعلام الجديد بات يلعب دورًا محوريًا في قضايا السلام، ولم يعد محصورًا في تتبّع الأخبار ورصد التقارير، وهذا يضعنا أمام سيل من  المواد الإعلامية بغثّها وسمينها، مما يعني ضرورة تسخيرها وتطويعها لما يخدم تعزيز قيم السلم والتعايش خصوصًا وأننا نتذوق مرارة الحرب منذ سنوات. ووسيلة كفيسبوك ستؤدي أدوارًا معتبرة إذا كان الهم المشترك هو تحقيق السلام. فعالم افتراضيّ بإمكانه صناعة سلام حقيقيّ.
ق/هيفاء طاهر العمارى

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تربة الحجرية تتراقص على أنغام المؤآمرات

لا تندم على حرب أنضجتك

خرب امرأة