رسول السلام.. ويمن الإيمان والحكمة
نبي
الرحمة ورسول الإنسانية محمد صلى الله عليه وسلم، أرسله الله رحمة للعالمين (وما
أرسلناك إلا رحمة للعالمين)، كانت حياته في مكة والمدينة (23عاما) -منذ بعثته وحتى
وفاته- كلها دعوة إلى عبادة الله الواحد الأحد.. ودعوة إلى التحرر من العبودية
لغير الله.. وحثٌ على المساواة بين البشر.. وأن لا فرق بينهم ولا تمييز، على أساس
العرق أو الجنس أو اللون أو أي شكل من أشكال التمييز العنصري، فالكل في دين الله
سواسية، لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى والعمل الصالح (إن أكرمكم عند الله
أتقاكم).
وكان
يُعرف بين قومه كواحد من الناس، لم يكن يتميز عنهم بشيء.. ومثله وقبله كان موسى
وعيسى وغيرهم من الأنبياء والرسل، عليهم السلام جميعاً.
لقد كان
هدف رسالة الإسلام وكل الرسالات السماوية هو إقامة العدل بين الناس (لقد أرسلنا
رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط).. وكان رسول
الإنسانية يدعو إلى فضائل الأخلاق.. وبارك كل السجايا العظيمة.. والعادات الحميدة
في مجتمعه آنذاك، كالنجدة ونصرة المظلوم، حيث قال عن حلف الفضول "لو دعيت إلى
مثله في الإسلام لأجبت".
وكانت
حياة الرسول في مكة والمدينة ومواقفه كلها تدعوا إلى العقيدة السمحة وإلى الإيمان
والمحبة والرحمة وإفشاء السلام (لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا.. ولا تؤمنوا حتى
تحابوا، ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟! أفشوا السلام بينكم).. وكان من
نتائج ذلك المؤاخاة (إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم).. ومن لديه مظلومية،
جدير به أن يسامح وأن يعفو وأن يريح باله وقلبه، فهذا سلوك الأنبياء (لا تثريب
عليكم اليوم يغفر الله لكم)، (فمن عفا وأصلح، فأجره على الله).
في
المقابل.. حذر ويحذر الإسلام من الفرقة والتنازع والخلاف، الذي يؤدي إلى الصراع
(واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا)، (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا)..
فالأمن والسلام لا يقدر بثمن.. والحياة تقوم على التكامل والتآلف، كالجسد الواحد
المتنوع في أعضائه.. إنه تنوع ثراء وتكامل، لا اختلاف تنافر وتضاد.
والسلام
مطلب نفسي، داخلي، قبل أن يكون مطلباً مجتمعياً، عالمياً.. وهو سلوك إيجابي، فردي
واجتماعي، يحقق الأمن والسكينة والطمأنينة في النفوس وبين أفراد المجتمع.. ويتوطد
ويتعزز عبر الحوار والتربية المستمرة والتنشئة على قيمه، في البيت وفي المدرسة وفي
الجامعة.. وعبر كل وسائل الاتصال والتواصل الحديثة.
كان عليه
الصلاة والسلام عند رؤية الهلال مطلع كل شهر يدعو (اللهم أهله علينا باليمن
والإيمان والسلامة والإسلام)، فتوفر الأشياء والنعم للإنسان لا يمكنه الانتفاع بها
إلا في ظل الأمن والسلام.. وتوفر الأمن والنعم يقتضي شكر المنعم وعبادة الخالق عز وجل
(فليعبدوا رب هذا البيت، الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف).
وبإقامة
العدل بين الناس يسود الأمن والاستقرار أكثر.. ويكف الباغي عن بغيه ويجنح للسلم..
وهذا ما حث عليه الإسلام، إذ جعل الحرب وسيلة للسلام، وضرورة لرد الباغي
والمعتدي.. وأمر بإنهائها والجنوح إلى السلم فورا (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها)..
عودة إلى الأصل، فما الحرب إلا استثناء وضرورة، لتأمين الناس من الخوف والظلم أو
لرد العدوان والبغي.
فالسلم
والسلام هو الطريق إلى البناء والتنمية.. وبه تكون مواجهة الأزمات والدمار والفساد
ومختلف المشكلات الاقتصادية والاجتماعية، التي تخلفها الحروب، فلا تنمية ونهوض إلا
في جو من الحرية والأمن والاستقرار، فالحرب دمار.. والسلم عمار وإعمار.
وحدهم
تجار الحروب من يعملون على إذكاء الصراع وإطالة أمد الحرب، لتشغيل مصانع السلاح..
وتجريب أسلحتها الجديدة، في معارك حقيقية.. واستنزاف ثروات وأموال الشعوب والأطراف
المتصارعة فيما بينها، عبر شرائهم تلك الأسلحة.
أما
الإسلام فدين إخاء ومحبة وتراحم وتعاون.. ودين علم وعمل.. وعطاء وبناء وسلام، حث
على ذلك من أول يوم.. فأول كلمة أنزلت من القرآن كانت (اقرأ)، لم تكن (قاتل).. وما
ذلك إلا لأن القراءة هي الطريق إلى العلم.. والعلم هو السبيل الأمثل إلى النهوض
والتقدم، فبناء العقول بناء علميا سليما يأتي في الصدارة، للسير في درب التنمية
والنهضة والإبداع.. ولا يمكن تحقيق ذلك إلا في ظل السلام الشامل والدائم.
إنها دعوة
للسلام، فالسلام اسم من أسمائه تعالى الحسنى.. وتحية المسلمين كذلك، فيها دعوة
للسلام والأمان والمحبة والرحمة والبركات (السلام عليكم ورحمة الله وبركاته).
وقضية
الإنسان الكبرى، عبر العصور هي السلام، مع الذات ومع الآخر، فالسلام شرط أساس
للسعادة المنشودة للإنسان.. ورسول الإنسانية والسلام جاء بهذه المبادئ وحث عليها،
فكان التعارف وتوطيد علاقات الإخاء.. والتراحم والإيثار.. والتكامل والتعاون،
بداية في المدينة، بين المهاجرين والأنصار الذين ترجع أصولهم إلى اليمن، ثم مع
القادمين إلى المدينة من مختلف القبائل والمناطق، باختلاف أجناسهم وألوانهم..
وكانت وفود اليمن سباقة للدخول طواعية في دين الله، استجابة لدعوة الرسول الأعظم
عليه الصلاة والسلام.
و(يَمَن)..
اسم لولد قحطان وهو أبو اليمن.. وقيل سمي اليمن يمنا ليُمْنه -من الخير واليُمْن-
وقيل لأنه عن يمين الكعبة.
وبلاد
اليمن لها تاريخ فريد، تشهد بذلك جبالها وآثارها، فاليمن منبع الأصالة ومهد
الحضارة العربية.. وهذا ليس للمفاخرة ولكن لحفز الهمم وتذكير الجيل بماضيه العريق،
حتى يكون على مستوى المسئولية التاريخية.
وقد سجل
القرآن أخبار حضارة اليمن القديم في أكثر من سورة.. وهو فضل يفخر به اليمن على
سائر الحضارات عبر التاريخ.. وفيه تأكيد على السبق الحضاري لليمن وأهله.. وعلى
العراقة والحكمة في بلد الإيمان.. وهناك سور في القرآن باسم هود والأحقاف وسبأ.
ويَعد
المؤرخون والمهتمون بالأنساب اليمنية القديمة أن هودا عليه السلام هو الأب لقحطان،
الذي تفرعت عنه الجذور اليمنية.
وهود أول
نبي أُرسل بعد الطوفان، بعثه الله في جزيرة العرب، في الأحقاف بحضرموت اليمن.. وقد
كان قومه يبنون ويزرعون، فلما اغتروا بقوتهم واتبعوا أمر كل جبار عنيد، نالوا
جزاءهم العادل.
كما ارتبط
ذكر اليمن بالشام في أحاديث نبوية أخرى، حيث دعا لهما الرسول بالبركة.. وذلك لارتباطهما
بمكة والمدينة، فاليمن إذاً بلد مبارك.. وردت في فضله آيات وأحاديث نبوية.
مكانة
كبيرة ومناقب عظيمة.. إنها وسام رفيع منحه القرآن والرسول الكريم لليمن وأهله
(بلدة طيبة ورب غفور)، (الإيمان يمان والحكمة يمانية).
وفي ذلك
شرف عظيم ودافع كبير للعودة إلى الذات.. ومراجعة النفس.. وتحكيم العقل.. وتغليب
الحكمة والمصلحة العامة.. وحقن الدماء.. وإيقاف الحرب والصراع بين الفرقاء -الإخوة
الأعداء، فالقاتل والمقتول هم من أبناء الوطن الواحد والأصل الواحد والدين الواحد
واللغة الواحدة- ليعم الخيرُ والسلامُ الإنسانَ والمكانَ على مر الزمان.
فاليمن
اليوم يعاني من ويلات الحرب، التي أهلكت الحرث والنسل.. وهو بحاجة ماسة إلى السلام
والأمن.. وإلى المحبة والإخاء.. وإلى التسامح والتصالح.. وإلى البناء والإعمار
والاستقرار.
ق/عبد
الكريم الحمادي
تعليقات
إرسال تعليق